انتشر فيها الفساد والاضطراب فقد أخطأ. فنحن جديرون أكثر بالتقدير كلّما أحببنا في ظروف لا تشجع على الانفتاح على الآخرين. إن الحب جزء من وجودنا فهو الأصل في حياتنا

إننا نحمد الله بأنه أودع في قلب الإنسان موارد غنية تكفيه للتأقلم والتعايش مع الآخرين. فقد جعل فينا سبحانه وتعالى رغبة ملحّة في أن نحب وننتظر من الآخرين محبّتهم لنا. وهناك أيضا الرغبة في أن نمضي دائما إلى أبعد حد لتطوير قدراتنا. وقد جعل لنا في السعي نحو التعلم لذّة تدفعنا لطلب المزيد من المعرفة التي ينتجها الآخرون. كما نشعر برغبة في القيام بجهد من أجل إثراء الآخرين رغبة في التبادل والاعتبار. وكل هذه الطاقات التي تحركنا تجتمع في الحب، لكي نتمتع جميعا بالحياة. فالحياة تغتني بالتعدد والتنوع، أي باحترام اختلافنا في العيش والرؤى، بل الانتفاع من هذا لاختلاف: فنحن مخلوقون ذكرا وأنثى، بيضا وسودا، عاديين أو عبقريين، عدا ما نكتسبه من المجتمع والثقافة وبالجهد الخاص. وبالحب نستفيد ونفيد ولا يكون ذلك إلا بقدرتنا على التأقلم والتطور الدائمين

فالتطور في الحياة إذن و كما رأينا يدعونا أولا وبإلحاح أن نتوقف عن اعتبار أنفسنا متميّزين ومعزولين عن الآخرين، بينما نحن في الحقيقة في أمسّ الحاجة إلى وجودهم. إن النفس المنقبضة تيبس وتتلف لأنها مطالبة أصلا وحسب قانون الحب بالتمدّد في الآخرين وبهم. علينا إذن أن نجعل من حاجة الآخرين إلى محبّتنا مسؤولية على عاتقنا. إننا بالحب نستطيع أن نميّز الجمال والانسجام خلف ما يبدو لنا و لأول وهلة، أو عن سابق حكم، قبيحا مضطربا. وشيئا فشيئا سيتدرب فكرنا، وتتغير نظرتنا، ويتضح لنا ما كان غامضا أو ضبابيا، ونحصل على الغنى ممن اعتبرناه سابقا فقرا. هكذا سوف نشعر بأننا فعلا نحيا وبأنا كلنا عاملون، بفضل اختلافنا، على تحقيق انسجام لم نكن نعي به سابقا. سوف نكون برغبتنا في التطور والتأقلم عاملين وشاهدين في آن واحد على تحوّلنا الإيجابي

إننا كثيرا ما نسمع بعضا من البالغين يعلنون قائلين: "ليس في هذه المرحلة من حياتي أن أتغيّر وقد بلغت كذا من العمر" أو نسمع أحدهم يقول "هذه طبيعتي" أو " أنا هكذا، وهكذا شاء الله، لا حيلة لي مع ما هو مقدّر" ... إننا نحن أيضا، وفي فترة أو أخرى، قد نقول بهذا عن ضعف أو تمسكا بوضعنا الساكن المريح. نرفض التغيير ونتشبث بالجمود والركود، بينما الحياة اليومية تدعونا إلى التكيف مع أوضاع تتغير سريعا. إنه ليس التغيير من أجل التغير، بل ضرورات الحياة تدعونا للتأقلم مع الآخر، و في هذا التأقلم منفعة كبيرة تغني شخصياتنا

إننا إذا نظرنا إلى الماضي سوف نلاحظ بأن التغيير كان سمة من حياتنا في عديد من الميادين. لكننا قد نلاحظ أيضا بأن تصرفنا هو هو، لم يتغير، في العديد من المواقف! إننا حقا نتغير لكننا نظل في نفس الوقت راكدين على بعض المستويات. فمع مرور االزمن و بسبب التعوّد تُصاب نفوسنا بالفتور. وبسبب ضغوطات الحياة العصرية وأوجهها العديدة والمتغيرة نشعر بالرغبة في أن نثبت وجودنا وربما أناتنا (أنا) فنتحجّر في مواقفنا ونسعى لإظهار هويّتنا الصامدة - ولو بشكل ظاهري - هكذا نخلط بين الاستقرار والاستمرارية بصلابة و قسوة مع فقدان الحس والتأثر. و النتيجة هي أننا نصبح شيئا فشيئا عاجزين عن التبادل الحقيقي مع الآخرين وعن تذوق وإنتاج ما ينفعنا وينفع غيرنا

ومع ذلك فإننا نشعر بالحاجة الماسة إلى حبّ الآخرين واهتمامهم بنا كما قد نتعذب في داخلنا لأننا لا ندري كيف نحب الآخرين ولهذا فنحن أمام أحد خيارين: إما أن ننغلق نهائيا ويفتر قلبنا بسب العادة و الاكتفاء بالأحكام المسبقة، أو نلج حركة الانفتاح والحب الدائمة التي ليس فيها مكان للتصلّب والجمود. إما أن نتطوّر أو نندثر. إن المحبة تدفعنا للتأقلم وللسير قدما إلى الأمام وعلى الدوام. إن الحبّ ليس حكرا على مرحلة معينة من حياة الإنسان، ليس سمة خاصة بالشباب فقط. بل إن الشباب الدائم هو من نصيب الذي يحب دائما. والذي يتحجر ويتصلب متذرعا بأن العالم أصبح جاهلية

الرغبة في التطور