وفاة أسقف روما / تتمة

أما في علاقاته مع الإسلام واليهودية فقد شجع البابا قساوسته على فتح حوار مع هاتين الديانتين. وقام هو بنفسه بزيارة لبعض الدول الإسلامية والتقى بشخصيات يهودية وإسلامية رفيعة المستوى. لكنه في مجال العلاقات بالمذاهب المسيحية الأخرى فيمكن القول بأنه كان يخطو خطوة إلى الأمام تتلوها خطوتين إلى الوراء. ففيما يخص المذهب المسيحي البروتستانتي فقد ظل البابا يسلك موقفا متحفّظا. فهو كان يرى في أتباع مارثن لوثر وكالفان مجموعة من "الإخوة المنفصلين" ترجى عودتهم إلى حظيرة الكنيسة الأم تحت صولجان أسقف روما. بينما راح قساوسة الكنيسة الكاثوليكية يهاجمون عمل الكنائس الإنجيلية التي تعمل بين المسلمين من أجل نشر بشارة الخلاص بالمسيح بينهم.

لقد كان لراعي الكنيسة الكاثوليكية الرومانية نزوعا شديدا إلى تقديس أم المسيح. إذ كان شديد المغالاة في عبادة العذراء مريم، يؤمن بشفاعتها ورحمتها وعنايتها. وهو أمر تستغربه الأوساط البروتستانتية. إذ كيف لرجل يحلم بالوحدة بين الكنائس بكل طوائفها في حين أنه يتبنّى عقيدة مريمية غريبة عن أسس الإيمان المسيحي الكتابي؟ وماذا عن تنصيبه عددا كبيرا من الموتى في درجة قدّيسين، بل إنه جعل من إسكريف دي بالاكوير ( Escriva De Balguer ) قديسا. مع أن هذا الأخير كان متعاطفا مع الفاشية الألمانية في الأربعينيات وكان رئيس ميليشيا دينية تدعى ( opus Dei ) وهي عصابة يمينية متطرفة ومتعصّبة تعمل في الخفاء.

أما علاقة البابا يوحنا بولس الثاني مع كنيسة بريطانيا، فقد شابها التوتر في السنوات الأخيرة، ولاسيما بعد أن سمحت الكنيسة الأنجليكانية للمرأة بممارسة وظائف كهنوتية، وهو أمر كان قداسة البابا يستنكره أشد الاستنكار. أما مع الأورثودوكس، فلم يحرز تقدما كبيرا في محاولاته من أجل الحوار. فالكنائس الشرقية لا تعترف لأسقف روما بحق الرئاسة، بالإضافة إلى مشاكل أخرى ذات أبعاد تاريخية وسياسية وقومية بين الكاثوليك الروم والأرثودوكس.

لقد كان شغف البابا بالاقتراب من الشعب جسديا وعقائديا يدفعه لتزكية المعتقدات الشعبية ذات الأصول الوثنية. مما يجعله يبتعد عن نقاوة رسالة السيد المسيح المباركة. وقد تحول مرضه الأخير ووهن جسمه وآلامه إلى نوع من الآلام المقدسة ينظر إليها المؤمن من أصل كاثوليكي على أنها آلام المسيح نفسه. فقد كتب أحد أتباعه على بطاقة بريدية: "أيها البابا الحبيب، لقد تألمت كثيرا بسبب خطايانا". هكذا حجبت متاعب أسقف روما الصحية آلام المسيح الفدائية، وهو أمر في غاية الخطورة يستنكره المؤمنون والملحدون على السواء. فعبادة المخلوق كيفما كان قدره ووظيفته أمر يتعارض مع العقل ومع تعاليم الكتاب المقدس في التوحيد.

هذه نظرة مقتضبة لمؤمن مسيحي حول شخصية البابا يوحنا بولس الثاني، شخصية لا نشك في عظمتها و أهميتها على المستوى التاريخي. ففيها جوانب نيّرة وممتازة من مواقف وقيم أخلاقية وإنسانية جديرة بالاحترام، لكنها شخصية بشرية لها أيضا جوانبها الغامضة ومواقفها السلبية، عدا آراؤها العقائدية الغريبة عن تعاليم الكتاب المقدس. وفي الختام نقول على غرار ما قيل بعيد وفاة رسول الإسلام: من كان يعبد البابا فإنه قد مات، ومن كان يعبد المسيح فإنه حي إلى الأبد.

 

مع تحيات المخلص كريم صلاح