الأب بانتظارك

في عالمنا اليوم أكثرية الناس يعيشون بعيدا عن الله وهم كما يقول الكتاب المقدس: "يأكلون ويشربون ويتزوجون" فقط. كما أننا نراهم يتراكضون سعيا للماديات والثراء الأرضي... ولا يشبعون. وأصبحنا نرى الخطية أمرا عاديا يتردد دون رادع كأن الضمير "جرس إنذار الله داخلنا" قد مات وليس له وجود. وبرغم علمهم أن الهلاك مصيرهم إلا أننا نراهم يستمرون يحملون خطاياهم في دواخلهم التي لا عدد لها، وما يحزن في الأمر بأنهم بعضهم يتظاهر بالتقوى. لنسمع ما يقوله الرسو ل بولس: "وأعلم أن أزمنة صعبة ستجيء في الأيام الأخيرة. يكون فيها الناس أنانيين جشعين متعجرفين متكبرين شتامين، لا يطيعون والديهم، ناكري الجميل فاسقين، لا رأفة لهم ولا عهد، نمامين متهورين شرسين. أعداء الخير، خائنين وقحين، أعمتهم الكبرياء، يفضلون الملذات على الله، متمسكين بقشور التقوى رافضين جوهرها. فابتعد عن هؤلاء الناس". (2 تيموثاوس3: 1-5)

 

نعم عزيزي القارئ كثيرون من الناس "لهم صورة التقوى لكنهم منكرون قوتها" وقد قال عنهم السيد المسيح: "وهم لا يعملون عملا إلا ليشاهدهم الناس: يجعلون عصائبهم عريضة على جباههم وسواعدهم يطولون أطراف ثيابهم ويحبون مقاعد الشرف في الولائم ومكان الصدارة في المجامع، والتحيات في الأسواق... الويل لكم... أنتم كالقبور المبيضة، ظاهرها جميل وباطنها ممتلئ بعظام الموتى وبكل فساد. وأنتم كذلك، تظهرون للناس صالحين وباطنكم كله رياء وشر" (متى 23: 5-7، 27، 28).

وهناك من نصادفهم من لا يعترف بوجود الله، فيصدق عليهم قول النبي داود: "قال الجاهل في قلبه ليس إله. فسدوا ورجسوا بأفعالهم ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد" (مزمور 14: 1). إلههم مالهم، شهواتهم، حفلاتهم، سياراتهم.. وإلى غير ذلك.

 

أما أنت، عزيزي القارئ، فها هو السيد المسيح يقدم لك الدعوة فيقول: "تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم. لأن نيري هين وحملي خفيف" (متى 11: 28-30).

 

فهلا قبلت دعوة الله لك. عد إلى خالقك بكل قلبك وبكل فكرك بكل عقلك بكل نفسك. إلهك الذي أحبك محبة أبدية جديدة كل صباح، لماذا لا تسلمه حياتك وإرادتك له؟ لا تبقى بعيدا!. نعم إنه في انتظارك كابن ضال له، وقد روى السيد المسيح مثلا رائعا فلنسمع له: "إ نسان كان له ابنان. فقال أصغرهما لأبيه يا أبى اعطني القسم الذي يصيبني من المال.فقسم لهما معيشته. وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كل شيء وسافر إلى كورة بعيدة وهناك بذّر ماله بعيش مسرف. فلما انفق كل شيء حدث جوع شديد في تلك الكورة فابتدأ يحتاج. فمضى والتصق بواحد من أهل تلك الكورة فأرسله إلى حقوله ليرعى خنازير. وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله.فلم يعطه أحد. فرجع إلى نفسه وقال كم من أجير لأبى يفضل عنه الخبز وأنا اهلك جوعا. أقوم واذهب إلى أبى وأقول له يا أبى أخطأت إلى السماء وقدامك. ولست مستحقا بعد أن ادعى لك ابنا.اجعلني كأحد أجراك. فقام وجاء إلى أبيه.وإذ كان لم يزل بعيدا رآه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبّله. فقال له الابن يا أبى أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد أن أدعى لك ابنا. فقال الأب لعبيده اخرجوا الحلّة الأولى والبسوه واجعلوا خاتما في يده وحذاء في رجليه. وقدّموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح. لان ابني هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد.فابتدءوا يفرحون" (لوقا 15: 11-24).

 

هذا المثل يعرض أمامنا معاملة الرب مع من قد عرفوا محبة الآب من قبل، ومع ذلك فقد سمحوا للشيطان بأن يقودهم أسرى. لكن محبة الله لا تزال تحن إلى من قد اختار الانفصال عنه، وهو يشغل كل العوامل الكفيلة بإرجاعه إلى بيت الآب. إن ذلك الابن الضال وهو في شقائه وجد رجاء في اقتناعه بمحبة أبيه. فتلك المحبة هي التي اجتذبته إلى البيت. وهكذا نجد أن يقين محبة الله هو الذي يحصر الخاطئ للرجوع إلى الله الآن: "لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة" (رومية 2: 4).

 

أي يقين هذا الذي فيه يبدي الله استعداده لقبول الخاطئ التائب! فهل اخترت أيها المستمع طريقا لنفسك؟ وهل ضللت بعيدا عن الله؟ وهل حاولت أن تمتع نفسك بثمار العصيان؟ وإنما اكتشفت إنها قد استحالت إلى رماد على شفتيك؟ الآن ها هو الصوت الذي طالما تحدث إلى قلبك ولكنك رفضت الإصغاء إليه، ها هو يأتيك بكل وضوح وجلاء قائلا: "قوموا واذهبوا لأنه ليست هذه هي الراحة. من أجل نجاسة تهلك والهلاك شديد" (ميخا 2: 10)

إذا فارجع إلي لأني فديتك" (إشعياء 44: 22).

 

لا تصغ إلى اقتراح الشيطان عليك بالبقاء بعيدا عن المسيح حتى تصلح نفسك. فلكي تكون صالحا بالكفاية تعال إلى الله. قم واذهب إلى أبيك السماوي. إنه سيلاقيك من بعيد. فإذا أنت خطوت نحوه حتى خطوة واحدة بالتوبة فهو سيسرع ليحتضنك بين ذراعي محبته اللامحدودة. فهو ما إن تقدم له صلاة وان تكن ملعثمة، تسكب دمعة وان تكن في الخفاء، وتحتضن نفسك أي شوق إلى الله مهما يكن واهنا، إلاّ ويخرج روح الله ليلاقيك.

لماذا لا ترجع إلى إلهك ومخلصك وفاديك، إنه كأب حنون في انتظار عودتك. "هو الآن وقت خلاص" (2 كورنثوس 6:2