كان القاضي ينظر ذات يوم في قضية من القضايا العديدة التي كانت تعرض عليه. فلفت انتباهه بأن الشخص المتهم هو زميل صباه. تعجب كثيرا وإحتار ماذا يفعل. هل يتبع ما تميله عواطفه وأهواؤه ويعفو عن صديق العمر إكراما لعهود الصبا، أو يقوم بتطبيق نصوص العدالة والقانون بغض النظر عن كل إعتبار آخر.
وفي نهاية الجلسة الأولى وردته رسالة مؤثرة من والدة المتهم تتحدث فيها عن وضع إبنها المأسوي وتعترف بصحة التهمة الموجهة إليه. غير أنها تقول أن إبنها هو معيلها الوحيد بعد وفاة زوجها وأن سجنه يعني القضاء على أولادها الصغار خصوصا أنها عليلة الصحة ولا تقوى على مكابدة عناء إعالة أولادها في غياب إبنها صاحب المسؤولية. وتتمنى الأم أخيرا من القاضي أن يرأف بإبنها بحق عهود الصبا التي ربطت قلبيهما ذات يوم بوشاح الحب والوفاء.
قرأ القاضي هذه الرسالة بقلب كسير وعيون دامعة. وسرعان ما قام بالرد على الرسالة بقوله: "يتعين أن تأخذ العدالة مجراها الطبيعي لئلا يمسي القانون تحت رحمة العواطف. ولكن إظهارا لصدق مشاعري فإني مرفق بردي هذا شيكا مصرفيا بقيمة العقوبة ومصاريف المحكمة. بذلك أكون قد حققت كلا من العدالة والرحمة في رمية واحدة".
لقد كانت خطة الفداء التي أعدها الله لخلاص البشرية الساقطة بسبب الخطية مزيجا من العدالة والرحمة في عمل واحد تجلى على الصليب في أبهى صورة، فكما قال المرنم: "الرحمة والحق إلتقيا. البر والسلام تلاثما" (مزمور 10:85).
فالرحمة -عزيزي القارئ- لا تلغي العدل. كذلك فإن النعمة لا تلغي الناموس أي الشريعة. فناموس الله أو شرائعه تنص على أن "أجرة الخطية موت". لقد غرس الله منذ خلق العالم مبادئه، شرائعه، ناموسه في قلب كل من آدم وحواء متحدة برغبتهما وميلهما الطبيعي ليعيشا بانسجام تام طبقا لناموسه. كما ان الخالق الباري منح الإنسان قدرة على الإختيار الحر. إما أن يختار الإعتراف بالله كسيد له ومهيمن على هذا الكون بطاعة قلبية كاملة صادقة، أو أن يختار العصيان. فالطاعة تتضمن له الحياة الأبدية، واما العصيان فبقضي به إلى الهلاك والدينونة والموت.
فناموس الله يستدعي إخضاع القلب والإرادة والحياة بالكامل لمشيئة الله. بذلك تتعرى الخطيئة وتنكشف بالكامل أمام الملا، فيقاد الخاطئ التائب إلى ينبوع الطهارة والصلاح. فهدف الشريعة الإلهية هو وضع حد فاصل قاطع بين الخير والشر، وتجديد مسلك الإنسان الحياتي، كما تنبيه المتعدين إلى حاجتهم الماسة للخلاص بالإيمان بالرب يسوع المسيح مخلصا وفاديا للحياة وبنعمته.
فالنعمة هي محبة الله المبذولة لتخليص الخطاة. إنها الرحمة الإلهية لغير مستحقيها وطالبيها الذين عليهم غضب الله. ومع ذلك فمن خلال نعمته حصلوا على فضله العميم ومحبته الفادية. وقد قال أحدهم: "النعمة هبة مجانية لا يستحقها من قدمت إليه إطلاقا. إنها عطية لم نكسبها بجهودنا ولم نتعب في الحصول عليها ولم نسع إليها بأنفسنا. إن ما قام به الله بدافع محبته هو عمل إيثاري عجيب". " النعمة هي الجمال الإلهي المبارك، وهي السحر والجاذبية. ففي المسيح نرى جمال الله وسحره العجيب ومجده الذي لا يرى. والنعمة هي المعجزة المتواصلة في حياتنا. فهي التي تناسب كل ظروفنا المختلفة والمتقلبة وتقودنا من الصبا إلى الشيخوخة برفق وتأن، فتشدد أزرنا وتسند ضعفنا وتضيء ظلمتنا وتعزينا في يأسنا وتقودنا في واد ظل الموت فتحفظنا وتحمينا".
لقد كان عدل السماء أن أجرة الخطية هي موت. فكان حكم جميعا الموت بسبب قضيتنا الخاسرة أمام محكمة الله... وهذا ما عبر عنه الرسول بولس حين قال: "فإني أعلم أنه ليس ساكن في جسدي شيء صالح. لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد.... ويحي أنا الإنسان الشقي. من ينقذني من جسد هذا الموت؟ أشكر الله بيسوع المسيح ربنا...." (رومية 18:7و24). فحن نحتاج من يخلصنا من جسد الخطية هذا. ولكن السيد المسيح أخذ على نفسه أن يطبق العدل والرحمة لنقذنا من جسد الخطية هذا.... أخذ على نفسه أن يحمل أجرة الخطية عني وعنك لنتمتع بالحياة الأبدية... كما قال الرسول بولس: "لأن أجرة الخطية هي موت. وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا" (رومية 23:6).
إن القاضي السماوي قد دفع ثمن فدائنا بالتمام، فما علينا إلا أرضائه بالطاعة والعيش بموجب مشيئته. فهل ستقبل هذا الفداء فتخلص من أجرة الخطية وتحصل على الحياة الأبدية، أم أنك سترفضه وينفذ بحقك عذل السماء ورحمتها أيضا؟ أنا أدعوك أن تقبل خلاص الرب يسوع المسيح وفدائه. لا تتأخر تقدم إليه الآن فهو يقف على باب قلبك ويقرع، فآذن له بالدخول.