الديانة في مكان العمل

في سنة 1987 حدثت كارثة بحرية بالقرب من بلجيكا. وقد وجد المختصون معضلة كبيرة في التعرف على كافة جثث الضحايا. وقد اكتشفوا أن أحد أولئك الضحايا كانت له شخصيتين. وقد عاش في بريطانيا لسنوات طويلة تحت اسم معين ثم عاش في فرنسا باسم آخر. تصور مدى الصعوبة التي واجهها هذا الرجل أثناء حياته في أن يحيا حياة مزدوجة بعائلتين ومجموعتين من الأصدقاء في بلدين مختلفين.

في الحقيقية هذا الأمر لا يحدث كثيرا، ولكن الناس يستطيعون بطرق عديدة أن يعيشوا حياة مزدوجة أو حتى مثلثة. فقد نحيا حياتنا بشكل ما في مكان، ثم نحياها بشكل مختلف تماما في مكان آخر.

شيء واحد تعلمه معظمنا، أو على الأقل كان يجب أن يتعلمه وهو أن الناس يراقبوننا. فما علينا إلى أن نتصرف وفق شخصيتنا في مكان العمل كما في البيت ومكان العبادة، وفي كل مكان نذهب إليه. فأي شهادة تقدمها للآخرين في حياتك ومكان عملك؟

ويقول الكتاب المقدس: "وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها" (تكوين 15:2). فالكتاب المقدس يؤكد أن العمل وجد في جنة عدن، في ذلك المحيط الكامل قبل السقوط في الخطية. فلا بد بأن العمل كان جيدا وكان جزءا من خطة الله الأصلية للجنس البشري.

ولكن سعى البشر بطريقة أو أخرى لتصوير حقيقة وجود العمل، سواء كانت هذه الطريقة هي عن طريق الرسم مثلما فعل الرسام الشهير فنسنت فان كوخ الذي حاول تصوير المشاق التي يواجهها عمال المناجم. أو عن طريق كتابة النثر والشعر مثلما فعل الكثيرين. ولكن أو ان أقول بأن العمل بركة منحنا إياها الله في هذه الحياة لنشغل وقتنا بها، ونتمتع برؤية إنجازاتنا وإن كانت بسيطة.

ولكن ما أو أن أقوله بأنك أثناء عملك تحضر ديانتك معك. فأنت شاهد بطريقة أو بأخرى عن معتقداتك. فأي شهادة تكون أعظم وأقوى بالنسبة لإيمانك: هل شهادتك كعامل مجد وأمين، لا تفعل المطلوب منك وجسب، بل وربما أكثر من ذلك؟ أم شهادتك كعامل متكاسل وتحاول الحصول على أكثر مما تعطي؟

الجواب واضح طبعا! صحيح أنه توجد كل أنواع الظروف التي تجعل المر صعب عليك في بعض الأحيان لأن نكون شهود ناجحين في العمل. ولكن القاعدة العامة هي: أن تكون عاملا أمينا ويعتمد عليه. لا بل أن يعطي في عمله إنتاجا موازيا لما يناله من معاش.

وهذا ما يذكرني بالحقيقة بكلمات الرسول بولس: "كل ما فعلتم فاعملوا من القلب كما للرب ليس للناس. عالمين أنكم من الرب ستأخذون جزاء الميراث....." (كولوسي 23:3).

إن فكرتنا عن الصواب والخطأ، عن الصالح والطالح، لا ترتكز بالأساس على النزوات والرغبات المتغيرة للحضارة والزمن والتي تختلف من بلد لآخر، ومن زمن لآخر. بل أنها ترتكز على الله الذي لا يتغيير أبدا. كما يقول الكتاب المقدس: "كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوارالذي عند لا تغيير ولا ظل دوران" (يعقوب 17:1).

ولذلك يجب أن تفعل الصلاح وما هو صحيح لأن جذور الصلاح وما هو صحيح هما في الله خالقنا. فلا ينبغي أن تظهر المانة والإخلاص والصدق والعدل فقط عندما يروق لك ذلك ويكون من مصلحتك، بل ينبغي بالأحرى لأن تكون هذه الصفات هي المبادئ الأساسية التي تكون خلف كل ما تفعل سواء في البيت أو في مكان العمل. فإذا ما كنت قد لجأت إلى الإستغلال في معاملاتك التجارية، والذي يعتبره الله ظلما، فينبغي عليك إصلاح ذلك قبل أن تعود إلى أمانتك.

على سبيل المثال شراء سيارة قديمة يعتبر مغامرة خطرة. قد تكون السيارة نظيفة ومطلية جيدا من الخارج. ولكن قد يخفى غطاء المحرك العديد من الأسرار السلبية. هل لك أن تثق في عداد المسافات والسرعة في سيارة مستعملة؟ ولكن يجب الإلتزام بالمانة في أي عمل أو تجارة تقوم بها، ومهما كان المستوى الذي تعمل فيه. فالله يريد منك الإنصاف والإحترام في معاملاتك.

ومن الأمور المهمة في العمل أيضا هي أن نركز على نقاط القوة في من نعمل معهم لا نقاط الضعف. فمن المؤسف في الحقيقة بأننا لا نتطلع دائما إلى الأفضل في اآخرين. وكثيرا ما نميل إلى رؤية الأشياء التي لا يستطيع الأخرون عملها عوضا عن تلك التي يستطيعون إنجازها إذا نالوا التدريب اللازم وتهيأت لهم الفرصة. فالعمل مع الآخرين بروح إيجابية هو من أولوياتك في الحياة.

فما عليك عزيزي المستمع إلى ان تتبع هذا المبدأ الكتابي الذي قدمه لنا الرسول بولس: "وكل ما فعلتم فأعملوا من القلب كما للرب وليس للناس" (كولوسي 23:3). وعندها ستتصف تصرفاتك بالأمانة المطلقة والإستقامة والمحبة والعطف وسيظهر الإنصاف في معاملاتك. وطالما تسعى لإظهار هذه القيم في حياتك، فستحاول دائما إظهار الأفضل في الآخرين وتبذل كل جهدك لتجعلهم يدركون الإمكانيات الكاملة التي أمامهم.

نعم...عزيزي القارئ...هذه هي المبادئ التي تقدمها لك ديانة السيد المسيح. فهل ستقبل بها؟ وهذا يعتمد على قبولك له شخصيا.