الغفران

استدعي سجين الحرب الذي قتل فيها كل أفراد عائلته، إلى غرفة في المستشفى حيث كان يرقد أحد جنود الأعداء يعاني من جروح وإصابات عديدة ويوشك أن يلفظ أنفاسه الخيرة. ووسط آهاته وتآوهاته تمالك نفسه ليلفظ بهذا الإلتماس الأليم أمام السجين.

كنت عضوا في وحدة عسكرية منتخبة عندما إنفجر لغم أرضي قتل 30 شخصا من رجالنا. وإنتقامنا لهذا جمعنا ثلاث مئة من شعبكم في داخل مبنى كبير، الرجال والنساء والأطفال، وغمرنا المبنى بالبنزين وأشعلنا فيه النار. والذين هربوا منهم أطلقنا عليهم الرصاص. وانا أتذكر على وجه التحديد أحد الآباء مع زوجته وابنهما الصغير وقد غطيا عيني الصبي حتى لا يرى الرعب من حوله والقتل وسفك الدماء، وركضا به إلى خارج المبنى المحترق. وكان ثلاثتهم يصرخون. فأطلقت عليهم النار وقتلتهم بينما تعالت أيضا صرخات المحترفين بالداخل. وأنا لا أستطيع أن أنسى هذا المشهد المؤلم في حياتي ولا أستطيع أن أصم أذني عن سماع صدى صرخات هذه العائلة المسكينة. والآن إذا أواجه الموت الوشيك أطلب الغفران من أحد أفراد شعبك. وبدون هذا الغفران لا يمكنني أن اموت في سلام. أرجوك وأتوسل إليك أن تغفر لي كممثل عن شعبك!

نظر السجين في ذلك الجريح المحتضر الذي أخذ يذرف الدموع الندم بغزارة، ولم يتفوه بشيء على الإطلاق بينما مال الجندي المحتضر بأذنيه عله يسمع ما يريحه من السجين. ولكنه لم يسمع شيئا سوى وقع أقدام السجين وهي تتجه صوب الباب. نعم لقد غادرالسجين بينما راح الجندي المحتضر يصرخ ويتأوه وكأنه يقاوم الموت الذي أخذ يزحف إليه ويوقف أنفاسه اللاهثة.

ماذا كنت ستفعل لو كنت في مكان ذلك السجين؟ أو بالأحرى ماذا كان يتوجب عليك أن تفعل؟ ألا تشعر بالتزامك لأن تغفر وتسامح؟ مع أن الله يطلب منا بل ويأمرنا أم نسامح الآخرين، فهل يعني ذلك أن نسامح حتى من إرتكب مثل هذه الجرائم الوحشية؟ ومن الناحية الأخرى فإن "الغفران حق علينا للمصاب والمتضرر"، كما قال الشاعر جون درايدن. وهل كان من حق السجين أن يغفر لما أصاب غيره من الضرر؟ وما الذي جعل من السجين وكيلا مفوضا عن أولئك الذين حتى إن أرادوا أن يغفروا فلا يستطيعوا ذلك لأنهم قد ماتوا؟

فمهما كان الجواب، فحتى في أفضل الحالات والظروف، لا يأتي الغفران سهلا. فإذا كان الأمر يحتاج إلى كل هذا الجهد والعناء النفسي حتى نغفر لمن أساء إلينا بكلمة جارحة أو بعمل ضار فما الذي عاناه الله لكي يغفر لنا شهواتنا وجرائمنا وقساوتنا وكراهيتنا وتعدياتنا وعنفنا أو حتى قتلنا الجماعي للأبرياء. فالغفران ذو حدين وقوته تدفعنا في إتجاهين، إلى الأمام وإلى الخلف. فهو يؤثر في معطيه كما في متلقيه (أي الذي يغفر والذي ينال الغفران). إنه يشع في كافة الإتجاهات ويحتضن المسيء كما المساء إليه، المظلوم والظالم، السجين والسجان.

فكلمة "يغفر" تأتي عادة من ثلاث كلمات رئيسة غنية بالمعاني في الكتاب المقدس. فهي تاتي من كلمة "أن يحمل" ومن أخرى "أن يكفر أو يطهر" وثالثة "أن يعفو عن أو يصفح".

نعم عزيزي القارئ، قد تتساءل ماذا يعني لي كل هذا؟ أريد أن أقول لك بأن كل ما فعلته ومهما كان سجلك بشعا، يمكنك أن تقف مبررا أمام الله كمن نالوا الغفران والتطهير والصفح والعفو بدم الرب يسوع المسيح. فالغفران الذي نلناه من السيد المسيح، والغفران الذي نقدمه للآخرين بعد أن نكون قد حصلنا عليه أولا في الرب يسوع المسيح هو اساس الغفران الصحيح. فالرب يسوع يقول: "إن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم" (متى 15:6). إن الله لا يغفر لنا لأننا نغفر للآخرين بل كما نغفر. إن أساس كل غفران يوجد في محبة الله التي لا نستحقها، ولكننا بموقفنا الذي نقفه من الآخرين نبرهن على ما إذا كنا قد إمتلكنا تلك المحبة أم لا.