رجاء العالم

من أجمل الصور التي أبدعها الفنان الكبير واط صورة بعنوان "الرجاء" وترى في الصورة امرأة كفيفة تجلس على كرة أرضية يكتنفها ظلام حالك، وبيدها قيثارة، تقطعت كل أوتارها، ما عدا وترا واحد! والمرأة منكبة، فيعزم وإصرار، تعزف على هذا الوتر الوحيد. فهو كل ما تبقى لها!!

لم يبقى لهذه المرأة في دنياها إلا "الرجاء". الرجاء في غد أفضل، الرجاء في حياة أفضل. وهذا الرجاء الباقي ألهمها الشجاعة والصبر والصمود!!

ونحن في هذه الأيام العصيبة -عزيزي القارئ- وبين أزمات الحياة الخانقة، والظروف الإنسانية المعقدة ، ترى هل لنا "رجاء" يرفعنا إلى فوق ؟ هل ثمة رجاء يلهمنا الشجاعة والثبات والصمود في جهادنا في هذه الحياة؟

فقبل أعوام ليست بقليلة صرح "أينشتاين" لمجلة "ساينس أند ريليجون" بعددها الصادر في سبتمبر 1940 بأن: "العلم يمكن أن يصير دين العالم". ويفهم من تصريحه هذا أن العلم يستطيع أن يملأ فراغ الله والدين في قلب الإنسان فيصبح إله العالم، ورجاء العالم!!! ويا للأسف!؟

واليوم كما ترى وتلاحظ يتربع على قمة المجتمع العصري آلاف مؤلفة من العلماء والخبراء في شتى فروع العلم. فهم الذين يشكلون حضارة الجيل. إنهم أجهزة التقدم العلمي، أو بعبارة أخرى إذا صح لي التعبير "كهنة معبد العلم". إن هدف هؤلاء العلماء هو القضاء على الفقر والجهل والمرض والشقاء. ويتركز إيمانهم في أن العلم والتكنولوجيا هما وسيلة الإنسان للقضاء على كل ما يعانيه من منغصات ومهددات!!

وبقي أن نسأل -عزيزي القارئ- هل كل هذا يعوض عن الله عز وعلا؟ هل الإنسان مجرد آلة تطلب الوقود، أم أنه حيوان يكتفي بالمأكل والمشرب والمأوى؟ وحاشا لله.

فالإنسان!!!!!!!!!!! ذلك الكائن العجيب، الذي حباه الله عقلا مدركا، وإرادة حرة، وضميرا واعيا، وعواطف. كيف، بعد هذا يكتفي بما يكتفي به الحيوان الأعجم؟

وماذا كانت حصيلة هذه الجهود الطائلة التي استقطبت كل علماء الأرض؟ فلم يسبق للعالم، طوال أجياله الغابرة، أن مر بفترة أشد قلقا واضطرابا مما هو الآن! فأول ثمرات الطاقة الذرية كانت القنابل الذرية والهيدروجينية التي جعلت العالم كله يبدو كبيت من الرمل! كما أنها قلبت أوضاع الحياة، وجعلت الحق دائما بجانب القوة، وليس القوة بجانب الحق! وجعلت الآلة الصماء تسيطر على الإنسان!! فأنا لا أقلل من قيمة العلم فقد استطاع العلم، مثلا: أن يقدم للإنسانية المعذبة وسائط التحصين ضد الأدواء والأوباء المختلفة. إلا أنه من الجانب الآخر جعل العلماء يعملون، ليل نهار، في المعامل والمختبرات لإنتاج الجراثيم الفتاكة لأستخدمها في الحرب البيولوجية!!! وقس على ذلك! كما أنك تشهد التسابق الجنوني في مضمار التسلح، والبحث المستميت عن وسائط التدمير الأشد هولا وفتكا. فلم يعد التقدم العلمي من مزايا القرن الحادي والعشرين، بل من مصائبه! لأنه تقدم لا ليشمل غير الحديد والنار! وما أصدق ما قاله الفيلسوف والمؤرخ الكبير "ويلز" قبل وفاته بأن: "العالم قد تردى في هوة سحيقة لا قرار لها. ولم يعد ثمة طريق للنجاة". هذه هي حالة العالم اليوم!! وهذا هو الحساب الختامي للطاقة النووية- من نواة، إلى شجرة، إلى ثمرة! وهل بعد هذا وذاك يبقى للعلم رجاء في إصلاح العالم وإسعاد الإنسانية، رجاء يملأ فراغ الله في قلب الإنسان!

لقد حان الوقت كي تشخص إلى فوق. فالنظر إلى فوق يبعث في النفس الأمل والثقة واليقين، كما أنه يرفع النفس فوق أمواج الحياة المضربة والغاضبة إلى يقينيات الغد المشرق البهيج. فترى أن المنغصات والضيقات والمهددات التي يعانيها العالم اليوم هي مرحلة مخاض تؤذن بمولد جديد!

إن السيد المسيح... هو وحده رجاء العالم!! هو الحل الوحيد لكل مشاكل العالم!! هو حقا مل ما تبقى لك ولي وللبشرية جمعاء .

إن كلمة "الرجاء" في اللغة العربية كما في بعض اللغات الأخرى تفيد التمني أو الترجي أو الإحتمال، كشيء يقع بين "عسى ولعل". أما الكلمة في اللغة اليونانية الذي كتب بها الكتاب المقدس فهي تفيد في الأصل "ما نتوقعه بفرح ويقين" .

فالديانة المسيحية -عزيزي القارئ- هي ديانة الرجاء. الرجاء المبارك بغد أفضل، وفي حياة أفضل في السيد المسيح. هذا هو سبب نغمة اليقين القوية التي تنبعث من بين طيات الكتاب المقدس كتاب الحياة. وإذا ما بنيت رجاءك على السيد المسيح فهذا جدير بأن يرفعك فوق أمواج الحياة المضطربة، ويلهمك الثبات والصمود والشجاعة في جهادك عبر طريق هذه الحياة.

فهل ستلقي رجاءك بالتمام على الرب يسوع المسيح فادي البشرية. فهو قد قال: "أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل" (يوحنا 10:10). لهذا فالرسول بولس يكتب قائلا: "لا أهملك ولا أتركك. حتى أننا نقول واثقين الرب معين لي فلا أخاف. ماذا يصنع بي إنسان" (عبرانيين 5:13-6). لهذا ترنم المرنم قائلا: "ألقي على الرب همك فهو يعولك. لا يدع الصديق يتزعزع إلى الأبد" (مزمور 22:55).