السلام الحقيقي

هل تتطلع -عزيزي القارئ- إلى مستقبل أفضل فيه يسود السلام سيادة تامة على الأرض؟ فعالمنا لذي نعيش فيه عالم غاضب تتنازعه الحروب ويبدو فيه السلام الدائم مستحيل التحقيق. كثيرون من الناس يودون أن يدفعوا مبالغ طائلة مقابل الحصول على السلام... لا بل أن ملايين من الناس يبحثون عنه.

كلنا سمعنا عن جائزة نوبل تلك التي رصدها العالم ألفريد نوبل - مخترع الديناميت - سنة 1895. تلك الجائزة التي تقدم سنويا للأشخاص الذين يقدمون مساهمات بارزة صوب السلام. ولكن في السنوات القليلة الماضية، فحتى بعض الذين ربحوا جائزة نوبل للسلام هذه، كانوا متورطين في نزاعات وصراعات عنيفة.

وقد روي بأن الدكتور روبرت أوبنهيمر، الذي أشرف على صنع أول قنبلة ذرية، أمام لجنة الكونجرس في الولايات المتحدة الأمريكية حيث سألوه فيما إذا كان يوجد أي دفاع أو أية حماية من هذا السلاح الفتاك. فأجاب عالم الفيزياء العظيم هذا بالقول: "بالتأكيد". ولما سألوه "وما هو الدفاع؟" نظر الدكتور روبرت إلى الحاضرين الذين سادهم الصمت والترقب، وقال بكل هدوء "السلام".

السلام هو حلم رائع بالنسبة للجنس البشري. وقد أشارة التقارير والتقديرات بأن العالم منذ نشأة التاريخ المسجل، كان في سلام تام بنسبة 8 % فقط من الوقت... نعم 8 % فقط. وبأنه خلال تلك السنوات أنتهك ما لا يقل عن ثمانية آلاف معاهدة. وخلال نصف القرن الذي تلى نهاية الحرب العالمية الأولى والتي أفترض فيها أن تكون الحرب التي تنهي كافة الحروب، لم توجد سوى دقيقتين فقط من السلام عن كل سنة حرب.

وهذا ما يذكرني بقول النبي القديم أرمياء: "قائلين سلام سلام ولا سلام" (أرمياء 11:8). فالسلام الذي يقدمه يهبه هذا العالم هو سلام الهروب من المتاعب، سلام تجنب المضايقات، سلام عدم مواجهة العواصف والإختباء منها. فكثيرا ما نتحدث عن السلام ولكننا غارقون في الحروب والإضطرابات. ونرسم الخطط للأمن والإستقرار ولكننا لا نعرف السلام ولا الإستقرار.

ولكن هناك سلام قد قدم لنا، ليس سلام المعاهدات والمناقشات والإتفاقيات والجمعيات. إنه السلام الحقيقي الذي يملئ القلب والعقل والروح إنه "سلام الله الذي يفوق كل عقل ..." (فلبي 7:4). فالسلام الحقيقي هو اطمئنان القلب على الرغم مما يحيط به من عوامل القلق. وأساس هذا السلام هو المصالحة مع الله.

أنه سلام الانتصار الذي لا تنتزعه أية هموم أو متاعب السلام الذي لا يوهنه الحزن والضيق والألم. السلام العميق المستقل عن كل الظروف الخارجية.