الصليب

وها العالم المسيحي يحتفل بذكرى عيد الفصح المجيد. أتذكر صليب السيد المسيح و آلامه التي قد عانى منها. إذا يقول الرسول بولس: "فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله" (1كورنثوس 18:1).

فالصليب -عزيزي القارئ- كان أفظع عقاب يقع على الإنسان في القديم، وقد قال شيشرون وهو يتحدث عن فظاعة الصليب: "أنتزع الصليب بعيدا لا عن جسد المواطن فحسب بل عن فكره وعينيه وأذنيه، إذ هو عقوبة العبيد". فعقوبة الصليب في الزمن الروماني كانت لا تقع إلا على الخونة والمجرمين واللصوص والهاربين من الجندية... وقد حكم على السيد المسيح بها لا شيء من هذه الأمور إلى كما يقول الكتاب: وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رومية 8:5). لقد حكم على السيد المسيح بالصليب ليغوص في الآلام إلى العمق ما يمكن أن يصل إليه إنسان، ولكن هذا الألم كان فيه مجد السيد المسيح، ومجد البشرية قاطبة، إذ أن السيد المسيح لم يدفع إلى الصليب قصرا وكرها، بل سار إليه اختبارا وطوعا لأجلنا، ليفي العدالة الإلهية حقها، كما تقول الآية الذهبية: " لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ" (2كورنثوس 21:5).

وقد استوحى أحد الرسامين من مشهد الجلجثة صورة معبرة، يصور فيها السيد المسيح مرفوعا على الصليب، مثقوب اليدين والقدمين، دامي الجبين، منكس الرأس ، يتطلع في حزن إلى الجموع في إحدى مدننا العصرية. أما الجماهير فهي تتزاحم وتتصارع بالأيدي والمناكب، وعيونها إلى الأرض، لا تكلف نفسها وسعا وأن ترفع أنظارها إلى المصلوب، وتحت الصورة يكتب الرسام هذه الكلمات مستقاة من سفر مراثي أرمياء: " أَمَا إِلَيْكُمْ يَا جَمِيعَ عَابِرِي الطَّرِيقِ؟ تَطَلَّعُوا وَانْظُرُوا إِنْ كَانَ حُزْنٌ مِثْلُ حُزْنِي" (مراثي أرمياء 12:1).

إن جوهر المأساة تكمن في عدم اهتمام العالم بالسيد المسيح.عدم اهتمام العالم بتضحية السيد المسيح، عدم اهتمام العالم بمحبة السيد المسيح، عدم اهتمام العالم بكفارة السيد المسيح.

عزيزي القارئ- في الواقع أن الصليب هو تجسيد تام لمحبة وعدل وكمال الله. فالله في الصليب أظهر محبته لنا وبعد أننا خطاة مات المسيح لأجلنا. وهو يظهر عادلة الله إذ أن أجرة الخطية موت، فمات السيد المسيح عنا دافعا أجرة الموت. والحقيقة أن الدرس الحقيقي لا يمكن أن يدرك بعيدا عن صليب السيد المسيح. لأنه بالصليب قد تم فداءك وخلاصك من قوة الخطية والشيطان. بالصليب حصلت على نصرة السيد المسيح وقوته لمقاومة الخطية والانتصار عليها. إذا عزيزي القارئ:

هل تعيش في ظل صليب السيد المسيح؟

هل يقع ظل الصليب عليك فيتحكم بحياتك وتصرفاتك وأفكارك وآمالك؟

هل استفدت من فدائه وأصبحت ملكا للسيد المسيح؟

هل تحمل صليبك وتنكر ذاتك وتتبع السيد المسيح بالحق؟

هل رأيت محبة الله التي تجلّت في المسيح المصلوب عنك وعني؟

هل رأيت قوة الله التي تجلّت في قيامة المسيح المنتصر على الموت والشيطان؟

هل دخلت محبة الله وقوة الله إلى قلبك وروحك وحياتك؟

هل صار يعني لك الصليب والقبر الفارغ أمراً جديداً عظيماً ؟

فكم أتمنى -عزيزي القارئ- أن يفعل الصليب وتضحية السيد المسيح فارق كبير في حياتك وحياتي. فتصيح مع بولس الرسول: " مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي" (غلاطية 20:2). فهذه دعوة لك لتتأمل في صليب السيد المسيح، ويكون هذا الصليب كما يقول الرسول بولس قوة الحياة لك.

" المسيح قام........ حقا قام"