ستكشف يوما

عزيزي القارئ- أنت لا تملك إلا اللحظة الحاضرة فقط. فأنت لا تستطيع أن تتأكد من الجو هل تهب عليه عواصف باردة، أو الشمس هل تكون مشرقة أو غائمة، كما أنك لا تستطيع أن تعرف كيف ستكون حالك بعد سنة من اليوم. ولا تستطيع أن تعرف كيف ستكون صحتك بعد ستة شهور. ولا تستطيع أن تتأكد من وجودك على قيد الحياة بعد أسبوع. وقد لا تتأكد من أنك ستموت قريبا. ولكن هناك شيئا واحدا تستطيع أن تتأكد منه وهو أن خطيتك ستكشفك.

إن دستور العالم بأسره هو المثل الأدبية وكأن بكل الطبيعة تتفق وهذه الآداب والأمثال المتداولة في الشعوب المتنوعة تشهد بصحة هذا الأمر. بأن الخطية تعرض مرتكبها للتشهير والعقاب. وكم قرأنا عن جرائم ارتكبت في ظروف غامضة وأخفيت بدقة وإحكام بحيث أن أثار الجريمة بقيت مخفية أياما وأسابيع وشهورا والبعض سنوات، وإذ بالفاعل يقبض عليه.

ويروى بأن فلاح فرنسي وقف عند جثة (روبسبير) الذي اغتيل في الثورة الفرنسية وبعد أن تفرس فيه قال: "نعم يا روبسبير يوجد إله عادل!".

ويقول الحكيم سليمان في (جامعة 20:10): "لا تسب الملك ولا في فكرك. ولا تسب الغني في مضجعك. لأن طير السماء ينقل الصوت وذو الجناح يخبر بالأمر". فكم من الطيور وذوات الأجنحة التي تنقل الخطايا المستترة! فالخطية التي يرتكبها الإنسان لا بد أن تنكشف يوما ما. حتى خطايا الشراهة والجسد تترك علامات على الوجه والجسم. فالكتاب يقول: "من يزرع للجسد فمن الجسد يحصد فسادا".

وتذكر إذا كشفت الخطية إنسانا أو لم تكشفه حالا فإنها ستكشفه بالتأكيد في أخلاقه. فالخطية بلأي صورة من صورها كفيلة بأن توقع الضرر والمهانة بالإنسان. وهذا سيظهر بأجلى بيان على الأخلاق وأخطر ما في الخطية هو ليس ما تفعل للإنسان بل ما تفعله في الإنسان. وهذا هو أشد ما يحزن أن الخطية تدنس هيكل الحياة.

والخطية أيضا تكشف الإنسان في ضميره. فالناس قد لا يعرفون أو لا يعبأون لكن الضمير يفتش بدون شفقة ويوقع العقاب بدون رحمة. فمن المستحيل أن يتجنب مرتكب الإثم الخروج من قاعة حكم الضمير بدون قصاص.

فالضمير يستعبد صاحبه بالخوف لأن الضمير يجعل الواحد منا جبانا كما قال شكسبير. وكما قال أحدهم أيضا "الشرير يهرب ولا طارد يلاحقه" وأقل مصادفة تجعل الخاطئ يفتكر أن الناس عندهم علم بما ارتكب سرا. حتى أن ورقة الشجر المندفعة تولد فيه رعبا. وأعظم بلوى يبتلى بها الخاطئ ليس عقاب الضمير فقط بل الخوف المستمر من افتضاح عمله.

نعم -عزيزي القارئ- إن مملكة الخطية واسعة جدا وسيادتها جبارة. وهي تشتغل في حقول شتى، الحاضر ومملكة الضمير وهناك مملكة الأبدية التي لا تنتهي. فالخطية ستكشف الناس أخيرا في الأبدية. لأن النواميس الطبيعية التي تعمل في هذه الحياة لن تكف عن العمل في الحياة الآتية. فإذا ما كان الإنسان مخلوقا متمسكا بالآداب، فإن الله يسود على الكون بالبر والعدل. ولا غرابة أن الخطية ستجد في النهاية السبيل إلى كشف فاعلها.

ولنفرض جدلا أن إنسانا أرتكب الخطية ولم تكتشف بوقتها، وأنه لم يعرف أحد سرها، وأنها لم تترك علامة في جسده ولنفرض أيضا أن ضميره الموسوم لا يستيقظ ليتهمه أمام منصة القضاء. ولكن هناك أمر مؤكد وهو محكمة المستقبل. لا يوجد أرهب ولا أشد من توقع الجزاء على الخطية في الحياة الآتية.

فالحقيقة الواضحة التي بينها السيد المسيح والكتاب المقدس هي أننا سوف نقف أمام كرسي الله لنعطي حسابا عن حياتنا هنا، كل فكر وكل عمل وكل قول وكل منطقة الحياة تنكشف وتصبح عريانة يوم الدينونة. أما عن العقاب فنحن نحمل كل آلاته في صدورنا. ففي الضمير وفي الذاكرة كل الأجهزة اللازمة للعقاب. ولا سيما الذاكرة التي تسترجع الماضي البعيد وتأتي به في لحظة، وتغوص في الأعماق فتخرج الأمور التي قلما تفكر فيها.

وإذا ما وقفت هنا -عزيزي القارئ- فأنا لا أكون قد أعطيت الرسالة حقها كما هي في كتاب الحياة -الكتاب المقدس. فالكتاب يصرح قائلا: "حيث كثرة الخطية ازدادت النعمة جدا". فإذا ما كانت الخطية قوية ومظلمة ومرعبة في الحياة، فهناك ما هو أقوى منها وهي نعمة الله الفدائية ودم الرب يسوع المسيح الذي يطهر من كل خطية. وكبعد المشرق عن المغرب أبعد عنا معاصينا، وأن كانت خطايانا كالقرمز تبيض كالثلج. وإن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف. كما أن الرسول بولس يصرح قائلا: "إذا لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" (رومية 1:8).

فهذه دعوى لك أن تأتي إلى الرب يسوع المسيح حتى تغفر لك كل خطاياك مهما كانت بدمه الكريم فلا يوجد بعدها عذاب ضمير أو خوف من الأبدية ويوم الدين.