كانت الحافلة تسير بسرعة كبيرة وسط الصحراء. لم يكن هناك طريقا محددا ظاهرا للسير فيه، فكل طرقات الصحراء كما تعرف صفراء مغطاة برمال لا حدود لها. وفي مسير الحافلة، كان صوت المحرك عاليا منتظما وإطاراتها قوية مليئة بالهواء اللازم وخزانها ممتلئا بالوقود المطلوب. وبعد ساعتين من السير المتواصل أوقف السائق الحافلة، وأخذ يلتفت حوله في جميع الاتجاهات. حينها تعالت أصوات الركاب متسائلة عن سبب التوقف.
وبعد برهة من التأمل نظر إليهم سائق الحافلة ووجهه يحمل كل مظاهر الحيرة والارتباك وقال لهم: "أنا بالحقيقة لست متأكدا من الطريق ولا أعلم إن كان سيقودنا إلى حيث نريد". لقد كان السائق محقا في ارتباكه –عزيزي القارئ– فسرعة الحافلة وسلامة محركها وامتلائها بالوقود لن يصل بهم إلى هدفهم... فبالرغم من كل هذه كان لا بد وأن يتأكد من وجهته ليضمن الوصول للهدف.
فالكثير من الناس يندفعون في الحياة بسرعة دون أن يعرفوا إلى أين هم متجهون أو ذاهبون. فالكثير الكثير ليس لديهم اليقين بصحة الطريق الذي يسلكون في الحياة. وهذا في الحقيقة يذكرني بقول الحكيم سليمان: "توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق موت" (أمثال 12:14). فقد تكون...عزيزي القارئ... في ملء الشباب والحيوية، أو تتمتع بمجون هذه الحياة الدنيا، أو تمتلك من الثروة ما يلزمك لعيش حياة كريمة، أو أن تعيش في هذه الحياة بطيش واستهتار، أو أنك لا تملك شيئا. ولكن كل هذه الأشياء لا تعني أنك تسير أو لا تسير في الطريق يظهر أمام ناظريك مستقيما وقد يقودك للهلاك وإلى طرق الموت لا محالة.
فعندما نبدأ البحث عن الطريق يواجهنا السؤال التالي: هل هناك ما يسمى طريقا؟ فقد عرف أحدهم الفلسفة مازحا بقوله: "إنها كأعمى يبحث في غرفة مظلمة عن قطة سوداء لا أثر لها". فهل نحن نقوم ببحث مماثل لا طائل له حين نحاول أن نبحث ونجد الطريق الذي يوصلنا لهدفنا في عالم كهذا؟ أم هل نحاول أن نفرض على الحقيقة طريقنا بحيث يبدو أنه هو الطريق الذي يوصل للهدف؟ لكن دعني أقول هنا بأنني متأكد من أن الكون سيستجيب إما بالفوائد وإما بالعواقب. فالكثير من الناس يجني الفوائد ومنهم من يحصد العواقب. وفي إمكانك أن ترى ذلك يجري في المحيط الذي تعيش فيه. فبعض الناس يعرفون كيف يعيشون بالسعادة والبعض الآخر ليس موفقا ولا سعيدا ولا فعالا والأبواب مغلقة في وجهه. فهل من شيء على هذه البسيطة له دائما الكلمة الأخيرة، بغض النظر عمن له الكلمة الوسطى؟ وقد كتب أحدهم يقول: "يجب أن لا نحاول التلاعب بالحياة، بل نحاول بالحري أن نكتشف ما تتطلبه الحياة منا وندرب أنفسنا للعمل على تحقيق تلك المطالب. إن هذه العملية طويلة ومتواضعة". نعم -عزيزي القارئ- يجب أن لا نتلاعب مع الحياة. ومع ذلك فما أكثر الذين يفعلون ذلك، محاولين تسخير الحياة للعمل حسب طرقهم الخاصة.
ففي عالم الكيمياء، جزء من الأوكسجين وجزأن من الهيدروجين تنتج ماء. وقد تعتمد إلى محاربة هذه الصيغة وتحاول استخراج شيء أخر منها، لكنك في النهاية تستلم لها وتقبلها وتطيعها، وإلا فلا يكون لديك ماء. وهناك قانون الجاذبية وغيره من نواميس الطبيعة علينا قبولها كمسلمات لا نقاش فيها.
فضرورة الطاعة لهذه النواميس الطبيعية تصدق في جميع شؤون الحياة كالعلاقات الاجتماعية والخلقية والروحية! فهل يمكنك التصرف دون التعرض للعواقب؟ أم أنك تجد ثمة ما يستوجب الطاعة إذا ما شئت أن تحيا سعيدا؟ وهل يستوجب الطاعة فقط لمجموعة تقاليد وعادات من صنع المجتمع بل أنه شيء منقوش في طبيعة الحقيقة التي نعيشها في مجتمعاتنا؟ وأستطيع القول بأن عالمنا يسير حسب نواميس طبيعية قد وضعها الله لتسيير أموره. كما أنه وضع لنا الطريق للحياة الأبدية في الكتاب المقدس.. كلمة الله الباقية، فنقرأ هذا القول المبارك: "لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته" (عبرانيين 12:4). في هذا الكتاب العظيم الذي يعرف جبلتنا لا بل يخترق أعماقنا فاحصا ومنقبا نجد فيه سؤلا قلوبنا ألا وهو الطريق الذي يقود للحياة الأبدية، فالسيد المسيح يقول: "وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل" (يوحنا 10:10). ولنسمع شهادة الكتاب المقدس القائلة: "وهذه هي الشهادة: أن الله أعطانا حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ابنه (أي المسيح يسوع). من له الابن فله الحياة، ومن ليس له ابن الله فليست له حياة" (1يوحنا 11:5-12).
إن السيد المسيح هو الطريق الوحيد للحياة الأبدية، فلن ينفع أي طريق أخر سواه اسمعه وهو يقول: "ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه! ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه!" (متى 13:7-14)، "أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى" (يوحنا 9:10).
فهذه دعوة لك للوقوف قليلا والتأمل في الطريق التي أنت تسلك... تمعن جيدا هل أنت في المسيح يسوع. هل تسلك في الطريق التي هو سلك كما يقول الكتاب: "لأنكم لهذا دعيتم. فإن المسيح أيضا تألم لأجلنا، تاركا لنا مثالا لكي تتبعوا خطواته". فتعال الآن وأرتمي بين يدي المسيح طالبا منه أن يقود حياتك في فيه للخلاص. كما أنها دعوة لقراءة الكتاب المقدس، كلمة الله النقية الطاهرة الزكية. فأغتنم الفرصة الآن قبل ضياع الوقت.
.