كيف يتبرر الإنسان عند الله؟ كيف تغفر خطاياه؟ سؤال طالما جال في أفكارنا كثيرا، وقد صرخ به أناس منذ ألفي عام إذ "نخسوا في قلوبهم" "ماذا نصنع" فكان الجواب: "توبوا".. "توبوا وأرجعوا لتمحى خطاياكم" (أعمال 3: 19).
إذا ما هي التوبة؟ التوبة هي الحزن على الخطية والإقلاع عنها، بل أنها تغير الاتجاه تغييرا جذريا. والشخص لا يتبين شر الخطية ولا يحدث التغير في الحياة ما لم يرجع عنها رجوعا باتا.
لكن كثيرين يخطئون في فهم الخطية، فمنهم من يحزن على خطيته، ويحاول إصلاح سيرته إصلاحا خارجيا، لأنه يخشى من نتائج الخطية التي تجلب عليه خسارة وألما، لكنه لم يتب توبة بكل معنى الكلمة، لأنه إنما يندب الآلام لا الخطية، النتيجة لا السبب.
كثيرون يقبلون الدين عقليا، ويحملون صورة التقوى، في حين أن القلب لم يتجدد، لم يحدث في حياتهم تغير جذري في الفكر والعقل والروح. غير أنه يوجد أناس يحاولون تهدئة ضمائرهم المضطربة بظنهم أنهم قادرون على أن يغيروا مسلكهم الشرير متى شاؤوا، وأنه في استطاعتهم أن يغيروا مجرى حياتهم بعد استخفافهم بنداءات الرحمة، وإصرارهم على مقاومة دعوة الله لهم بالتوبة والرجوع فقد يكون التغير صعبا جدا، بعد أن تكون أخلاقهم قد تكيفت تماما، على مر الزمن، بما حصلوا عليه من الاختبار، وتشكلت بممارسة العادات والتقاليد، وقد قال المثل العربي: "من شب على شيء شاب عليه".
ولكني أستطيع أن أقول لك.. أن السيد المسيح على أتم الاستعداد لتحريرك من الخطية، ولكنه لا يفرض عليك ذلك جبرا وقسرا. وإذا كانت إرادتك بسبب إصرارك على الخطية وتماديك فيها قد أصبحت تميل إلى فعل الشر والموبقات، فهو يقدم لك دعوة رائعة فيقول لك: "هوذا الآن وقت مقبول، هوذا الآن يوم خلاص" إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم" (2 كو 6: 2، عب 3: 7، 8).
حذار من أن تؤجل، بل عليك أن تبادر إلى طلب تطهير قلبك. فالله تعالى، وإن كان يرى الذنوب تتفاوت في جسامتها، فهو تعالى لا يستصغر خطية ما، مهما صغرت في أعين الناس، فالناس يحتقرون السكير مثلا وينذرونه بسوء المصير، في حين أنهم يتغاضون عن زجر أهل الكبرياء والأنانية والطمع، وهي الخطايا التي يمقتها ويكرهها الله بنوع خاص.
وأنت عزيزي المستمع، إذا تبين لك ما أنت عليه إذ يقول الكتاب المقدس: "الجميع أخطئوا وأعوزهم مجد الله"، فلا تنتظر ريثما تصلح ذاتك، ألعلك تحاول أن تصلح نفسك باجتهاد، بالصلاة والصوم والزكاة وتقديم المساعدة والأعمال الحسنة. فأقول لك ما قاله الكتاب المقدس: "هل يغير الكوشي جلده أو النمر رقطه، فأنتم أيضا تقدرون أن تصنعوا خيرا أيها المتعلمون الشر" (أر 13: 23)
إن معونتنا وقوتنا للانتصار على الخطية هي فقط من عند الله القدير الحكيم، فيجب أن لا نتطلع إلى فرص أفضل، ويجب أن لا ننتظر حتى نصير أحسن تطبعا وخلقا، أو أشد اقتناعا وتوثقا، فإننا من أنفسنا لا نستطيع أن نفعل شيئا، بل يجب أن نأتي إلى السيد المسيح المخلص كما نحن.
نعم، إن كل ما تحتاجه هو أن تأتي إلى السيد المسيح وأن تصلي له: "اللهم ارحمني أنا الخاطئ" (لوقا 18: 13)
فالمسيح هو مصدر كل باعث حق، وهو وحده القادر أن يغرس في قلوبنا عداوة للخطية. ويحدث أن بعضا من الناس يستهجنون شر أعمالهم، فيقلعون عنها وهم لا يدرون أن الذي يعمل فيهم ويجذبهم إلى هذا الصلاح هو المسيح يسوع، فهو يستحث قلوبهم، من حيث لا يشعرون، فتحيا ضمائرهم، وتتغير حياتهم.
فأنت يا من تتوق إلى ما هو أفضل وأسمى مما يعطيك إياه العالم، إعلم أن شوقك هذا هو صوت الله لضميرك وأطلب إليه أن يمنحك التوبة. فيعلن لك المسيح يسوع محبته الفائقة الوصف، وطهارته الكاملة لحياتك. ويقول الكتاب المقدس: "إن الإنسان ينظر إلى العينين وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب" (1 صم 16: 7). نعم، إنه ينظر إلى القلب البشري الذي تتصارع فيه شتى العواطف والأحاسيس، فيعلم بواعثه ونياته ومقاصده. فلماذا لا تتوجه إليه أيها الخاطئ، واعرض أمامه نفسك بكل ما فيها من تلوث وتلطخ، واكشف خطاياها أمام عينه التي ترى كل شيء.
نعم أخي وأختي متى أدركت جسامة خطيتك، وتجلت لك نفسك على حقيقتها فلا تستسلم لليأس، فإنما لأجل الخطاة فقط قد جاء الرب يسوع من السماء، فما أجمل ما يقوله الكتاب المقدس... فلنسمع ما يقول: "إذا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدا. ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح وأعطانا خدمة المصالحة. أي أن الله كان في المسيح مصالحا العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم وواضعا فينا كلمة المصالحة" (2 كو 5: 17-19).
إن الله بحنو ومحبة هو الذي يستعطف أولاده الشاردين، ليردهم عن زيغهم وضلالهم، وليس من أب بشري يتسع صبره وحلمه واحتمال غلطات أولاده وأخطائهم، كما يفعل الله مع الذين يحاول إنقاذهم، ومن مثل الله في عطفه وحنوه على الخاطئ الأثيم!؟
فعندما يأتي الشيطان ويوسوس لك أنك خاطئ، تطلع إلى فاديك وقل له: "إن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة"
لماذا لا تصلي مع داود النبي هذه الصلاة:
"إرحمني يا الله حسب رحمتك. حسب كثرة رأفتك امح معاصي. اغسلني كثيرا من اثمي ومن خطيتي طهرني. لأني عارف بمعاصي وخطيتي أمامي دائما. إليك وحدك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت لكي تتبرر في أقوالك وتزكو في قضائك. هأنذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي. فأعلم الأثمة طرقك والخطاة إليك يرجعون" (مزمور 51: 1-13).
نعم، كل ما تريده هو أن تأتي إلى المسيح، تحدث إليه بكل ما في قلبك، وهو سيسمع لك، ويمنحك التوبة والغفران. إذا صلي ليسوع .. تحدث إليه الآن!