ثقة الإيمان

إن أساس المجتمع هو الثقة المتبادلة بين الناس، فالعامل يكدح طوال الإسبوع لثقته أنه سينال أجرا، والمسافر يدفع ثمن التذكرة لثقته في شروط جدول المواعيد، والملاح يبحر عبر المحيط بمهارة تتحدى المخاطر لأنه يثق بالخرائط البحرية والجداول الدقيقة التي بين يديه، والتعامل بين التاجر وأخيه بمبالغ طائلة دون أن تصل يد أحدهما قطعة نقدية واحدة من النقود مرده إلى الثقة التي تنظم المصالح بين الناس. إذن -عزيزي القارئ- لا شيء أخطر من تزعزع الثقة في الفرد أو في المجموع.

ومن هنا نرى ثلاثة شروط لازمة للثقة:

•  وعد أرتباط يصدر عن شخص ما.

•  سبب وجيه لتصديق هذا الوعد أساسه الثقة بالواعد وقدرته على الوفاء.

•  إيقان بأن الواعد صادق وسيتمم وعده على أكمل وجه، أو بمعنى آخر بأن الطرف الذي صدر لصالحه الوعد يعتمد على الشيء الموعود إعتمادا لا يقل عن حسبانه في حوزته.

وهنا أقول بأن هذه الشروط الثلاثة تتم في أٌيمان المسيحي. الإيمان المسيحي الذي عرفه كاتب العبرانيين قائلا: "وأما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى" (عبرانيين 1:11).

فالإيمان المسيحي يختلف عن كونه إيمان في دائرة الأمور الأرضية، فهو إيمان يستند على كلمة الله، ليس الإيمان مجرد عامل نفسي، الإيمان بالنسبة للبعض يعني أنهم سينجحون فيما سبق أن فشلوا فيه... إلخ. فهناك قيمة فعلية لمثل هذا التفكير الإيجابي... ولكن ليس هذا معنى الإيمان، لأن الإيمان الحقيقي الكتابي يتركز في الله، فالذي يقول أنه يؤمن في الله يجب أن يثق في كلمته؟

فالإيمان المسيحي هو أساس الرجاء، "الإيمان فهو الثقة بما يرجى". فالإيمان والرجاء يسيران جنبا إلى جنب، فنفس الأشياء التي نرجوها هي ذاتها موضوع إيماننا، فالإيمان يعطي يقينا أن الله سيفعل بواسطة السيد المسيح كل ما وعد أن يفعله، وهذا اليقين يبلغ درجة من القوة بحيث يعطي النفس إحساسا حقيقيا بإمتلاك هذه الأشياء، ولذلك فإن المؤمن وهو يمارس الإيمان يمتلئ بفرح لا ينطق به ومجيد. فالرجاء هو رغبة مؤسسة على الإيمان، لا بل هو الثقة بما يرجى، فنحن نرغب أن ننال في هذه الحياة نعمة وإرشاد إلهي، وخيرا ورعاية، معونة روحية في حياتنا اليومية وفي حربنا الروحية. كما اننا نرجو أن نصل إلى السماء حيث الخلاص من الخطية والألم، وحيث توجد النقاوة والسلام الكامل. إن الأيمان يدعنا نثق ونتوقع هذه الأمور بصبر لأن الله قد وعد بها، فهو هو اليوم وأمس ولإبى الأبد.

كما أن الإيمان يخترق حاجز المنظور. فالإيمان "الإيقان بأمور لا ترى"... فهو يعرض أما عين الذهن هذه الأشياء الحقيقية التي لا يمكن أن ترى بعين الجسد، فالإيمان هو بعد بصر النفس، وبه ترى ما لا يرى، وإذا كان الإيمان هو البصر فالكتاب المقدس هو المرآة التي ينظر فيها إلى "أمور الله"عندها ترى كل الحقائق العظيمة عن الله، والحياة الأبدية وطريق الخلاص. فالإيمان له نظرة إلى الوراء معلنا لنا أن الله قد صنع أمورا عظيمة في الأيام الماضية، وله أيضا نظرة إلى الأمام مؤكدا أننا نستطيع أن نثق في الله، وانه سيصنع أمورا أعظم في المستقبل.

وأنا أعلم -عزيزي القارئ- كم هو عسير أن يكون المرء شاذا عن قومه وحالة جيله، وأعلم أيضا أنه من العسير أن يسير الإنسان مع الله إذا ما كان الشر منتشرا في الأرض وكل إنسان سائرا في مسراه. كما أنني أعلم أنه من الصعب أن يحفظ الإنسان مخارج القلب في الهدوء والتقوى والنشاط الروحي في وسط متاعب الحياة وأعباء الواجبات وضجيج المكاتب. كما أن صعاب كثيرة تواجهنا في هذه الحياة. ولكن الإيمان يقهرها جميعها فتنتصر عليها. عندها تهزأ بكل صعوبة، وتطأ مياه البحر كاليابس، واثقا أن طريق العبور ينفتح لنا. وبأنك ستنجو من حد السيف وتتقوى من الضعف وتهزم جيوش الغرباء. نعم كل ذلك لأنك تؤمن وتثق في الله العزيز الحكيم وبكلمته المقدسة.

يا أخي ويا أختي... أعتمد على أمانة الله، ولا تنظر إلى الرياح والأمواج بل إلى معاملات الله وأمانته معك. إنفرد به وحده، فيسكن روعك، ويقشع مخاوفك، وتنجلي لك مواعيده العظمى والثمينة. ليكن إيمانك قويا راسخا بواعيد الرب يسوع المسيح. فتعال إليه فهو يقول: "لا تخافوا لا أترككم يتامى". كل ما تحتاجه هو أن تثق به وبموعيده فتجد راحة لنفسك وهناءا لحياتك. تعال إليه الآن.

.