الإنسان بين الوقت والواجب

حدَّث أحدهم عن مشاهدته لشريط من الصور استعملت لايضاح موضوع ما. قال انه قرأ تحت الصورة الأولى وفيها ولد يلعب بمركب صغير وقطار، قرأ ما يلي: "اته أصغر من أن يفكر أو يبحث عن الله". وفي الصورة الثانية نرى بأن الولد كبر وشب وأخذ يمارس اللعاب الرياضية. وقد كتب تحتها: "انه مشغول جدا عن التفكير بالله". أما في الصورة التالية نراه وقد ازداد نموا ونضجا، وكشاب ملؤه النشاط والحيوية نراه يشق طريقه في الحياة. وقد كتب هذه الصورة التي فيها وضع ذراعه على كتف فتاة أحلامه: "انه سعيد جدا ولا حاجة به الى الله". وبعد أن تكتنفه مسؤوليات الحياة والاهتمام بالبيت والأسرة يمسي: "لا وقت لديه للبحث عن الله". وبعد ذلك نراه صريع المرض وقد لازم فراشه وهنا أيضا: "هو منهوك القوى خائر العزيمة ولا يستطيع التفكير بالله" وبعد فترة من الزمن نراه يتقلد منصبا عاليا مرموقا وهنا أيضا "المسؤوليات الجسام لا تتيح له الوقت للتفكير بالله" وبعد سنوات نراه ينوء تحت ثقل السنين والهرم لذلك فهو "طاعن في السن ولا يمكنه البحث عن الله الآن". وأخيرا وقد توفي، كتب على حجارة القبر عبرة لكل من يعتبر: "فات الوقت عن التفكير بالله".

وهكذا الأيام تمضي والإنسان لا يعرف مكانه من حيث الوقت والواجب، وصدق موسى رجل الله حين قال: "احصاء أيامنا هكذا علمنا فنؤتى قلب حكمة" (مزمور 12:90).

فالأمس حلم والغد رؤيا. أما اليوم فهو حقيقة، فعشه جيدا. فيغدو كل أمس لك حلما من السعادة وكل غد رؤيا عن الرجاء. لا تقلق للمستقبل ولا تندم على الماضي بل عش الآن في ساعاتك الراهنة بكل ما لديك من قوة وعزم وتصميم. لا تقلق على ضآلة ما أنجزت أو ما قصرت عن إنجازه. فكل صعوبة ستتغلب عليها إذا أنجزت واجباتك المطلوبة منك الآن. ولا تقلق إذا لم تسر سريعا طالما تسير بمواظبة واستمرارية. فإن أعظم واجباتك ليس ان تنظر الى الرؤيا البعيدة الباهتة بل الى الرؤيا القريبة الواضحة.

ان الوقت الذي نحسن استغلاله سيكون سبب دينونة لنا في النهاية لأننا نقف أمام الله لنقدم حسابا عن كل دقيقة بددناها سدى.

تلك الدقائق التي كان يجب أن تنفق في ممارسة واجباتنا تجاه الله والناس، بالأخص فيما يتعلق بخلاصنا الروحي وتطلعنا الى الأبدية التي اشتراها لنا المسيح بدمه على الصليب.

إن أعظم خدعة يقع فيها الانسان هي التأجيل والتسويف. يقول الكتاب: "اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم" (عبرانيين 7:3)، بل ان أخطر سلاح في يد الشيطان هي هذه المماطلة. فالانسان يقول: (غدا) بينما الله يقول (اليوم). ومن يدري ماذا يحمله لنا الغد من أخطار وويلات وعراقيل بحيث قد تفشل كافة خططنا. يقول السيد المسيح: "فلا تهتموا للغد.. يكفي اليوم شره" (متى 34:6). الغد للجهلاء أما الحكماء فلهم اليوم كي يملأوه بالعمل الجاد المثمر حتى اذا ولى هذا اليوم وأدبر لا يتطرق اليهم الندم بأي حال، فالحكيم يغتنم الفرص التي قد لا ترجع، بالأخص الفرص الروحية التي تتيح له المجال لسماع كلام الله لمشيئته تعالى وذلك لضمان مستقبله الأبدي قبل مستقبله الدنيوي.

وسنجد ان الحياة مع الله جديرة بأن نحياها. ولكنها من دون الله فهي خائبة بائسة تافهة.

إذن عزيزي المستمع، فلنحيا هذا العام مع الله ولنأخذ عبرة من أخطائنا السالفة، ولنجعل لوجود الله معنى في حياتنا كما نجعل لوجودنا معنى معه. عندئذ لن نقول بأن حياتنا باطلة. لأنها ستكون حياة ريانة تستمد عافيتها دائما من الينابيع السماوية التي تروي قلوبنا في سفرة حياتنا الطويلة.

ولا تنسى الوقت هو الحياة، وقد تنتهي حياتنا هذا العام من يدري؟ فماذا نحن فاعلون الآن؟ وكيف نتصرف؟ ولهذا فها هو الرسول بولس يقدم لك هذه الدعوة قائلا: "لأنه يقول: في وقت مقبول سمعتك وفي يوم خلاص أعنتك. هوذا الآن وقت مقبول. هوذا الآن يوم خلاص" (2كورنثوس 2:6) فهل ستغتنم الفرصة؟