عودة الدين ومصيره

لطالما تنبأ فلاسفة الإلحاد في القرنين التاسع عشر والعشرين باقتراب موعد اندثار الأديان وزوالها. وقد عمل أساتذة الجامعات في الغرب، ولعدة عقود، على تقديم الفكر العقلاني كبديل عن الدين والمعتقدات الغيبية، بينما راح النظام الشيوعي السوفياتي يصفي حساباته مع الكنيسة والمسجد بشتى الوسائل، من قتل الرهبان وسجن الأئمة وتعذيب المفكرين الذين يؤمنون بأنه ليس بالخبز وحده يحي الإنسان. وقد عمل تقدم العلوم الإنسانية وتراكم المعارف العلمية وانتشار المنهج الدرويني التطوري على زعزعة العقائد الكتابية الثابة منذ آلاف السنين. وراح الفيلسوف الألماني نيتشه يفسّر بلغة المطرقة كيف يقوم الفكر الديني على "إذلال الإنسان" والحطّ من كرامته، فيما اعتبر المحلل النفساني فرويد الدين مجرد "عصاب كوني". هكذا ترسخت بين طبقة المتعلّمين والمثقّفين فكرة أن كل معتقد لايخضع لسلطة العقل إنّما هو من بقايا التفكير البدائي وأنه لا محالة سيتلاشى ويضمحل آجلا أم عاجلا.

واليوم، وبعد مرور أكثر من مئة سنة على كتاب "أصل الأنواع" لدارويين وكتاب "جينيالوجا الأخلاق" لنيتشه وبعد أن تهاوى النظام الشيوعي المعادي للدين، اليوم نرى الفكر الديني يعود بقوّة، لكن ليس في صورته المسالمة الأخوية دائما، بل في شكل إيديولوجيات تغالي في التأكيد على الهويّات العرقية والفروقات الإنسانية. إيديولوجيات تقسّم العالم فسطاطين: فرقة مؤمنة اصطفاها الله ضد فرقة كافرة حق عليها الدمار. لقد عاد الدين في الشرق في شكل قوى عنصرية مطالبة بحقوق المؤمن على غيره، أو حقودة معادية للحضارة وحقوق الإنسان، أو في شكل إيديولجية سياسية مسلّحة لا تؤمن بالتعايش السلمي بين الشعوب. أما في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة، فقد أصبحت الحركات المسيحية الأصولية المحافظة المؤطّر الأيديولوجي لحكومات يمينية تَهوى القتال والخيارات السياسية العنيفة، سواء داخل الولايات أم خارجها.

غير أن الدين بدء يعود أيضا في شكل حركة شعبية لتجديد الفلكلور والتقاليد المحلية. فأمام عنف الحداثة الغربية التي تعبُرُ الدول والقارات مبشّرة بالتساوي والحقوق في أحسن الأحوال، وملزمة الناس بنهج أسلوب واحد في التفكير والسلوك في أسوء الأحوال. أمام هذا الاجتياح القوي للحداثة في شكلها الأمريكي، يبحث الناس في دولنا العربية على طريقة في التوازن تجمع بين الحديث المستورد والقديم المحلي دون تنسيق ولا مراعاة للذوق في غالب الأحيان. فعلى سبيل المثال، مكبرات الصوت التي تستخدم أصلا لحفلات راقصة في الغرب أمست وسيلة لإعلان الصلاة في الشرق. هكذا يضيع المردود التقني المنسجم لهذه المكبرات ويضيع معها أيضا صوت المؤذن الذي كان بالأمس يخاطب الروح. فلا تسمع من هذه الأبواق سوى نشازا وزعقا يصمّ الآذان. هذه هي الحداثة في بلداننا وفي زمن عودة الدين بشكله المشاكس المستفز. حداثة تلفيقية في خدمة مشروع صحوة دينية بائسة.قديم يحتضر وحاضر لم يأت بعد، وبين هذا وذاك، كما قال أحدهم، تظهر أعراض مرضية خطيرة.

لكن ألا يعود الدين إلى عالمنا إلاّ في شكله المَرَضي؟ هل بات محكوم علينا بالعدمية بعد أن فشلت علوم الغرب في تحقيق العيش الكريم للجميع، وبعد افتضاح المخطط العنصري والإرهابي لبعض دعاة الشرق؟ إننا لا نعتقد ذلك. فلنا اليقين أن الدين قادر على تعبئة الناس من أجل عيش كريم في عالم تسوده المحبّة والأخوة. غير أنه لن يتأتى ذلك إلاّ في ظروف وبشروط خاصة منها:

أولا- أن لا يخلط الدين بالسياسة ففي ذلك خطرا محقّقا. لأن للسياسة لعبتها وقواعدها الخاصّة والمتقلّبة تقلّب المصالح والظروف.

ثانيا- أن ينصب اهتمام الدين على الشؤون الروحية والتثقيفية وأن يعبأ كل قواه من أجل خدمة الإنسان.

ثالثا- أن يعترف الدين لجميع الناس والشعوب بحقّهم في الحياة والحرية والكرامة دون تمييز في الملّة أو العرق أو السّلوك.

رابعا- أن لا يجعل رجل الدين من سلطته وسيلة لفرض قناعاته الدينية أو الفكرية على الناس قهرا. وأن يعترف لغيره ممن لا يشاطرونه الرأي الحق في التعبير عن آرائهم بكل الوسائل المكتوبة والسمعية والبصرية.

خامسا- أن لا يؤلب الدين فرقة على أخرى أو يحرّض شعبا ضدّ آخر، بل يسدي النصح ويدعو للهدنة والسلام.

إننا حقا اليوم بعيدون كلّ البعد عن الإيفاء بهذه الشروط كافّة. فالدين لازال يغازل السياسة حتى تحبل قنبلة حارقة أو قذيفة مدمّرة. ولازال الكثير من رجالات الدين يهتمون بأمور السياسة أكثر من اهتمامهم بإصلاح النفوس. وكم منهم يؤجج كل يوم نار الحقد والعداوة والبغضاء في قلبه وفي قلوب مريديه. وكم رجل دين في مجتمعاتنا يعتبر الحرية زندقة والرأي المخالف كفرا وكل من لا ينظم إلى جماعته أو فسطاطه مارقا ولو كان هؤلاء من أبناء جلدته وأهل ملّته، فكيف به يراعي حقوق الشعوب الأخرى في تقرير مصيرها الفكري والروحي والحضاري؟ ومع ذلك لابد للدين من العمل على مراجعة أسسه وأهدافه بمنظور معاصر من أجل الإيفاء بالشروط الخمس و إلاّ كانت العاقبة حربا علية أشدّ وأعنف مما كان عليه الأمر في عهد داروين ونيتشه وفرويد وستالين.