جينكا فتاة صهباء لا يتجاوز عمرها التاسعة عشر سنة. هاجرت بلدها الجميل والفقير نسبيا، بلغاريا، لتعيش في مدينة أحلامها، باريس. كانت جنكا قلبا ينبض بالحياة والحب وعقلا مليئا بالأحلام الجميلة لكنها اليوم ليست سوى جثّة هامدة عُثر عليها في مستودع للقمامة بضواحي باريس. ماذا حدث يا ترى بين حلم الشابة البلغارية ومصيرها المأساوي؟ إن الأرجح في الأمر هو أن جينكا وقعت فريسة لوعود شخص عديم الضمير أو ربما جماعة منظمة من الأشخاص تتاجر في أجساد الشابات الحالمات بمستقبل مشرق في بلد ثري من بلدان أوروبا الغربية.
إن البؤس والشقاء في كثير من بلدان العالم يدفع اليوم بالعديد من الشابات والشبان إلى الهجرة خارج أوطانهم رغبة في كسب شيء من المال يساعدهم على العيش الكريم أو طمعا في تأسيس أسرة تضمن لهم الاستقرار العاطفي والمادي. إذن ليس في الأمر ما يدعو للاستنكار، فكلنا نسعى إلى العيش الكريم في أرض الله الواسعة، لكن هذا الحلم بغد أفضل وفي بلد أجنبي لا بد له من وسيط، وقد يكون هذا الوسيط إما دبلومات جامعية تمنحك الحق في الدراسة أو القيام ببحث علمي في الخارج، وقد يكون هذا الوسيط تعاقد مع شركة أجنبية تتعهد بتشغيل المهاجر … الخ من الوسائط الكلاسيكية المعروفة في ميدان الهجرة.
أما اليوم وفي ظل نظام عالمي يفتقد إلى المقومات الأخلاقية وينتشر فيه الفقر والجريمة المنظمة، فإننا نجد أنفسنا، وهذا ما تعلمته جينكا على حساب حياتها، أمام وسائط جديدة وخطيرة لا يهمها سوى جني المال الطائل بطرق غير مشروعة أخلاقيا وقانونيا. وهذه الوسائط متخصصة في الدعارة وتهريب المخدرات. إذ يبدو من خلال تحقيقات صحفية وشهادات بعض ضحايا هذه التجارة القاتلة أن كثيرا من الفتيات مثل جينكا جئن إلى أوروبا الغربية استجابة لإعلان في جريدة أو بسبب تدخل شخص يدعي مساعدتهم في الحصول على ما يحلمون به من شغل أو زواج أو غيره من الأمور المشروعة والمحمودة. لكنه يتبين بعد وصول الشاب أو الشابة إلى بلد أحلامهم أن الأمر ليس كذلك بالضبط وبأنهم وقعوا في شراك الدعارة فلم يعودوا ممتلكين زمام حياتهم ومصيرهم، فالوسيط الذي وعدهم بتحقيق أحلامهم يطالبهم بشدة وعنف أن يسددوا ديونهم مدعيا أن تكاليف نقلهم وإدخالهم إلى البلد بطريقة غير مشروعة كلفه الآلاف من الدولارات. وبأن على الشابة أن تعرض جسدها على زبائن الدعارة إن هي أرادت تسديد ديونها في وقت وجيز. آنذاك توضع الفتاة أما أحد الأمرين لا ثالث لهما إما الإذعان للأمر أو الضرب والجلد والإهانة وربما القتل "تحت شبابيك بيوتنا" كما عنونت سيدة فرنسية رسالتها التي بعثتها إلى جريدة باريسية تستنكر فيها اغتيال الشابة البلغارية جينكا.
ففي أي عالم وفي أي عصر نعيش إذن؟ ما هو الخطاب السائد اليوم حول الدعارة؟
في بعض بلداننا العربية لا زالت سياسة النعامة هي السائدة. فالمتديّن المرّائي لا يطالب العاهرة أو الزانية سوى بالحجم عن الكلام السوقي البذيء في الأماكن العامة، والامتناع عن ارتداء الملابس الغير محتشمة التي قد تستفز أرباب الأسر الأتقياء. أما ما تقوم به في بيت الدعارة فذلك يعتبره المنافق أمرا خاصا من شأن العاهرة ولا دخل له فيه. أو يعتبر الدعارة نوعا من التمرد العابر على وعضه وإرشاده.
أما في الغرب فالجنس أصبح الموضوع الشاغل لكثير من وسائل الإعلام وأينما وليت وجهك في الشارع تجد إعلانات مغرية تمجد الجسد العاري وتجعل من اللذة الجنسية مقياسا لسعادة الإنسان وحداثته. وهنا أيضا يسيطر الحديث المرائي أو المنافق الذي يعتبر الدعارة مهنة كباقي المهن. ولكي لا تتهم وسائل الإعلام بالتمييز المهني، تستدعي القنوات التلفزيونية على الخصوص، محترفات في الدعارة وممثلات في أفلام الخلاعة لتقديم آرائهن رفقة أخصائيين في علم النفس والدعاية. ويكون الشعار المهيمن على البرنامج هو حق و حرية المرأة في التصرف بجسدها كما تشاء. هذا ما تردده العاهرة بتواطؤ مع مقدم أو مقدمة البرنامج والضيف المختص. لكن المتفرج المفتون يجهل عموما أن البرنامج ليس سوى فرجة لا علاقة لها بعلم النفس أو فلسفة الحرية أو شيء من هذا القبيل، بل جني المال الطائل على حساب سذاجته. آلاف من الدولارات تجنيها القناة وشركات الإعلانات التجارية التي تقدم إشهاراً لجُبنة عادية جدا أو لسيارة باهظة الثمن أو لمشروب غازي قُبيل تقديم البرنامج أو بعده مباشرة.
أمام عولمة الدعارة وتجارة الرقيق الجديدة نشعر كمؤمنين مسيحيين لا حول ولا قوّة لهم أمام الأمر، طالما أنه سقط بأيدي عصابات خطيرة ومنظمة، نشعر إذن بالعجز ولكن لا نشعر بالإحباط. ولكي لا نضيف خطابا أخلاقيا آخر لايغني ولا يسمن من جوع، فإننا نحذر مستمعينا من الشباب أن يكونوا يقضين لكي يتجنبوا مصير جينكا البلغارية. فقد تعددت أساليب تجار الأجساد بشكل يلائم أذواق الحداثة. فهم قد يتسترون وراء لقب منتج إعلانات تجارية يبحث عن شقراء لإشهار منتجاته أو مدير للكاستينك السينمائي يبحث عن عربية سمراء تمثّل دورا سينمائيا أو هو رئيس لوكالة عالمية يقترح وساطته على أي شابّة بربرية تود الزواج من أجنبي خارج بلدها. إنها ألاعيب وأقنعة تُخفي حقيقة مرة اسمها الدعارة العالمية أو المُعولمة.