"الله محبة" هو مضمون العقيدة المسيحية. ولعل البشير يوحنا هو من بين كتاب العهد الجديد الذي تعمّق أكثر في سر المحبة الإلهية. ونحن إذ تناول موضوع الحب الإلهي هذا، وجب علينا وضع جانبا ما كل ما نتصوره عن الحب. ذلك أن التصورات تختلف من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى. فقد يُشكّك البعض في الحب ويتنكر له آخرون. فكيف نتناول مثلا موضوع الحب على أهميته وخطورته أمام امرأة أُهين حبّها من طرف صديق أو خطيب زعم الوقوع في غرامها، فما إن نال مُبتغاه من جسدها حتى أهملها وصار إلى أخرى؟ فكم مرة في مجتمعاتنا نسمع قول نساء شابات أن الحب لا مكان له إلا في الروايات الغرامية الرخيصة، وأن الرجال لا يُحبّون وإنما يشتهون. لكننا رغم هذا التشكيك في وجود الحب نعتقد جازمين، ومن خلال اختباراتنا مع الله والبشر، أن الحب حقيقة لا شك فيها. إن الله يقول عن ذاته الكريمة أنه محبّة، وهو تعالى لا يكذب ولا يخون الأمانة. كما انه تعالى يستعمل اللغة البشرية الرمزية في كتابه المقدس لكي يُقرّب حقيقته العليا من أذهاننا، وهو يعلم أننا نُحب وندرك ما معنى الحب رغم ما يصيب قلب الإنسان من تصلب وموت عن الحب. لقد أخذ الله المبادرة ليُنشأ حوار المحبة مع البشر: "أما نحن فإننا نُحب لأنه أحبنا قبل أن نُحبّه" (آية 19)؛ وهو تعالى باسم هذه المحبة يدعونا أن نُحب بعضُنا بعضا ويُعلمنا كيف يكون هذا الحب. "فمن أقام في المحبة أقام في الله وأقام الله فيه" (آية 12 ب). ومعنى أن نقوم في المحبة هو ان نقوم في المجانية وليس في المصلحة والتبادل والتعويض. فالحب الحقيقي هو الحب المجاني. أنا احبك لأنني أحبك وليس لأنني أنتظر منك حبّا متبادلا أو حظوة. حب الله لنا حب مجاني لا يأخذ، بل يهب والله كله هبة وعطاء؛ وعلى من يُحب أن يكون واهبا مُعطيا ومضحّيا. إن الله يقيم فينا ونحن نُقيم في الله لأنه شاء تعالى أن يغدق علينا بعطفه وصلاحه وغفرانه؛ ونحن نُقيم في الله عندما نتواضع ونتعلق بحب الله. لكن ماذا لو أننا وقعنا في خيانة لهذا الحب بأن ولينا ظهورنا لحب الله وتبعنا آلهة أخرى من ملذات الحياة الصرفة متلمسين طريقنا بحسب شهواتنا ونزواتنا التي لا تتترك مكانا لله في قلوبنا؟ إن هذه الخيانة هي جد محتملة في عالم يغرينا وجسد يغوينا درجة أننا لا نستطيع أن نُقاوم. ماذا يكون رد فعل الله على هذه الخيانة؟ أيتنكر لنا ويهددنا بالعذاب الأليم من دون رحمة؟ بلى، فالله ليس إنسانا يُعاند مثلنا أو يكره وينتقم. الله محبة لا أثر فيها للانتقام أو الكراهية. إنه حب مطلق يظل منفتحا على التوبة. حب الله حب يغفر مثل حبيب يرجو عودة حبيبه الخائن إلى من كان عليه من غخلاص ووفاء. لكن كيف نعرف أننا بلغنا ذروة حبنا لله بعد التوبة؟ يرى يوحنا أن اكتمال المحبة هو بانتفاء الخوف من نفوسنا: لا نخاف من العقاب الإلهي ولا نخاف المستقبل ولا تهديدات البشر تجاهنا لأننا نُحب الله في المسيح. الخوف نقيض الحب. وفي هذه صدق الرسول يوحنا لأن اختبارنا البشري مع المتذبذبين في اخلاصهم لله وحبهم له يُبيّن كيف أن الخوف من الدينونة و العقاب الإلهي هو ما يقوم في نفوس الناس اكثر من المحبة. فالحديث عن الموت وغضب الله و"عذاب جهنم الأليم" هي من أكثر المواضيع رواجا على ألسنة الناس في مجتمعاتنا المغاربية حتى أنهم يتخذونها مادة في الوعظ والنصح والإرشاد. الخوف هو المهيمن على القلوب أكثر من حب الله، لأن من يُحب ينعم "بالطمأنينة ليوم الدينونة" و أن "لا خوف في المحبة" بل المحبة الكاملة تنفي عنها الخوف... ومن يخف لم يكن كاملا في المحبة (الآيتان 17 و 18).